محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
296
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وكأن المؤلف - رحمه اللّه تعالى - قصد في هذه الكلمات إلى ذكر الأعداء الأربعة المذكورين في قول الشاعر : إنّي بليت بأربع يرمينني * بالنبل عن قوس لها توتير إبليس ، والدنيا ، ونفسي ، والهوى * يا رب أنت على الخلاص قدير وبيّن في كلامه وجود عداوتهم ووجوه الاحتراز منها ، وتمم ذلك ببيان أن تلك العداوات ، وإن عظمت ، من أعظم الوسائل إلى أسنى المطالب لمن أريد بذلك ووفّق له . وأتى بجميع ذلك في ألفاظ بديعة مختصرة ، وجيزة محرّرة ، فاعرف قدر هذا الفصل ، واعترف لواضعه بكمال النّبل والفضل . وقال رضي اللّه عنه : من أثبت لنفسه تواضعا فهو المتكبر حقا إذ ليس التواضع إلّا عن رفعة ، فمتى أثبتّ لنفسك تواضعا فأنت المتكبر حقا . إثبات التواضع يقتضي وجود الرفعة لا محالة ؛ إذ لو كانت معدومة لكان ضدّها وهو الضّعة ، ثابتا موجودا ولا ينتفي عن العبد التكبّر إلا بوجود الضعة ، ووجود الضعة لا يحتاج إلى إثبات من العبد ؛ لأنه ثابت في نفسه ، فالتواضع الذي أثبته العبد لنفسه لا ينفي عنه وجود التكبّر بالضرورة . وأيضا ، فإن لفظة « التواضع » تؤذن بذلك ؛ فإن التواضع تفاعل من « الضّعة » وأكثر باب التفاعل موضوع لإظهار الضعة ، وليست كذلك كالتناوم ، والتناكر ، والتفارح ، والتماوت ، وغير ذلك . فصيغة التواضع لا تقتضي حقيقة الضعة وعدم الرفعة ، ولا يلزم من وجودها ذلك . والمطلوب من العبد إنما هو أن يتصف بذلك حقيقة لا إظهارا فقط ، بأن ينتفي عنه وجود الرفعة بالكلية ، وحينئذ يبرأ العبد من التكبّر ولا يكون له وجود البتة . ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع ، ولكن المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع . هذا بيان آخر لما ذكره من أن العبد المتواضع حقيقة لا يثبت التواضع لنفسه حقيقة ؛ لأنه يشاهد من ضعة قدره وخمول ذكره وذلّته ومهانته ما يمنعه من ذلك . وهذا هو التواضع الحقيقي ، وهو : شهوده لذلك ، ووجده به وظهور آثاره على ظاهره ، بل شهوده لذلك ووجده به ممّا يقدح في حقيقة تواضعه ، كما قال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي ، رضي اللّه تعالى عنه : « من وجد ذوق ذلّه في ذلّه فهو متعزز ، وفيه بقية » . فهذا العبد المتصف بهذه الصفة لو فعل من أفعال المتواضعين ما شاء لم يثبت